السعيد شنوقة
197
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
والقرآن الكريم في قوله سبحانه : مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها [ فصلت : 46 ] فالعمل الصالح والسيئ كلاهما ينبع من النفس ويعود بالنتيجة إليها . إن فعل الفاعل طاعة فإنه يثاب ، وإن اقترف معصية يعاقب . لهذا ما دام الإنسان في واقع التكليف فإنه يخلق أفعاله باختياره . وإن مسألة الخلق عند المعتزلة قد وقع التجوز بها في مجال الطبيعة الإنسانية . واختلف المعتزلة مع الأشاعرة في نسبة الفعل الإنساني إلى فاعله ، ويمكن القول هنا بأن هذا الاختلاف بالنسبة إلى الأشاعرة يتعلق برأيهم في الغائية ، ويمس أحد أصولهم وهو تفرد الله سبحانه بالخلق ، فهم لما رأوا انفراد الله تعالى بالفاعلية في العالم ترتب على ذلك عندهم أن جميع أفعال الإنسان خيرها وشرها هي من خلق الله وإيجاده . غير أنهم جعلوا لكل فعل اعتبارين : الأول : خلق الفعل وإيجاده من الله تعالى . الثاني : العبد يكتسب ولا يفعل . وهم يؤكدون مع هذا أن الله تعالى هو القدرة الوحيدة المؤثرة في العالم والتي تقصد كل ما فيه من أفعال ؛ لذا قال الأشعري : « ويقال لأهل القدر : أليس قوله تعالى : بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ الشورى : 12 ] يدل على أنه لا معلوم إلا والله به عالم . فإذا قالوا : نعم ، قيل لهم : ما أنكرتم أن يدل قوله تعالى : عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [ البقرة : 20 ] على أنه لا مقدور إلا ، والله عليه قادر ، وأن يدل قوله تعالى : خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ الأنعام : 101 ] على أنه لا محدث مفعول إلا والله محدث له فاعل خالق » « 1 » ، ويبلور هذا نظرتهم الغائية التي تنبني على استحضار السيادة المطلقة المهيمنة لله تعالى على العالم « 2 » . ولئن كنا عرضنا رأي المعتزلة فيه فقد ردّ دارسون معاصرون على هذا أيضا ، وبين بعضهم أن التجربة لا تظهرنا كذلك متحدين بالوجود الكلي ، وإنما تؤكد استقلالنا عن كل وجود وتكرس الفصل بين الموجودات ويرى في ارجاع الأفعال جميعها إلى الله تعالى تجاهلا للشخصية الإنسانية التي كرمها الله وميزها ، وهيأ لها أسباب
--> ( 1 ) كتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع ، ص 88 . ( 2 ) انظر نوران الجزيري ، قراءة في علم الكلام ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1992 ، ص ، 141 ودي بور ، تاريخ الفلسفة في الإسلام ، ص 89 .